|

الثلاثاء
10 ربيع
الأول 1429هـ -18مارس 2008م
مسرحيون يتحدثون عن
التحديات التي تواجههم على هامش مهرجانهم الرابع ...
المسرح السعودي «أعرج»... في غياب المرأة
الدمام الحياة
-
أي أثر يتركه غياب المرأة في تطور المسرح السعودي؟ وهل ما يزال
هذا المسرح، على رغم مرور سنوات طويلة على انطلاقته «ناقصاً»
من دون العنصر النسائي؟ وهل لا بد من صعود الأنثى خشبة المسرح
إلى جانب الرجل لتكتمل عناصر المسرح الجاد؟ وكيف يمكن تصديق
القضايا التي يعالجها المسرح، طالما هو يقصي نصف المجتمع
الأكثر حيوية؟
تساؤلات عدة تدور يطرحها المسرحيون السعوديون، وكذلك تشغل
المهتمين بالمسرح السعودي، على هامش انطلاق فعاليات مهرجان
المسرح السعودي الرابع السبت الماضي، الذي يشهد مشاركة كبيرة
ويحضره مسرحيون عرب، لأول مرة.
ماتزال النظرة قائمة إلى المسرح في السعودية بأنه مسرح مبتور
وذكوري وزائف بامتياز، طالما المرأة بعيدة عنه ولا تحضر سوى
كصوت.
وعلى رغم هذه الحقيقة التي يعرفها الكل، ولا يبدو أنها في
المستقبل القريب ستشهد ما يمكن أن يلاشيها، إلا أن المسرحيين
السعوديين لم يألوا جهداً في استدراج المرأة في أكثر من عمل.
ولئن رأى البعض أن المحاولات التي وقفت فيها المرأة إلى جانب
زميلها الممثل، لا تتجاوز المحاولتين، ناهيك أن ذلك تم خارج
إطار المسرح «الرسمي»، فإنها على الأقل-بحسب المسرحين- تتيح
إمكان وجود مسرح يلتقي فوق خشبته الجنسان معاً، ويمثلان عملاً
خلاقاً يعالج مشكلات الواقع وتأزماته.
بمناسبة مهرجان المسرح السعودي الرابع، تفتح «الحياة» ملف
المسرح السعودي في غياب المرأة، وهل سيبقى هذا المسرح خارج
الاعتراف، وبعيداً عن الصدقية طالما أنه يقدم رؤيته إلى الواقع
من زاوية واحدة، زاوية الرجل؟
محاولات خجوله.. و مثيره..
لقد جهد المسرحيون طوال السنوات الماضية في المطالبة الخجولة
بحضور المرأة، ولكن التقاليد الاجتماعية تقف عائقاً دون هذه
المطالبات. لكن ذلك لم يعق، قبل ما يربو على السنة من الآن وفي
الظهران تحديداً، عرض مسرحية «نجوم الوادي»، التي وقفت فيها
ممثلتان على الخشبة إلى جانب الممثل الرجل، على رغم ما صاحب
المسرحية من جدل، وصل إلى صفحات الصحف وإلى برامج التلفزيون في
غير قناة.
وضمن فعاليات مهرجان «مرايا المشهد الثقافي السعودي»، الذي
نظمه ملتقى الوعد الثقافي قبل أسابيع بالتعاون مع أسرة كتاب
وأدباء البحرين، عرضت في ختام المهرجان مسرحية «حكايات مشفرة»
من تأليف وإخراج محمد الحلال، ومثل فيها بجانب الحلال كل من
زكي الدبيس، شعاع توفيق ومنى محمد (المقيمتان في المملكة)،
وفتحت هذه المسرحية تساؤلات في البحرين من الجمهور السعودي
والبحريني في آن حول وجود الممثلتين، وهل من الممكن اعتبار هذه
المسرحية تشكل مرحلة جديدة للمسرح السعودي غير المبتور؟
ويقول الممثل المسرحي زكي الدبيس إن من يرون «المسرحيين
السعوديين متراجعين وناقصين لعدم مشاركة المرأة في الأعمال
المسرحية محقون لحد ما»، ولكنه يستدرك ليعتبر أن دخول الدكتورة
إيمان التونسي في تشكيلة مجلس إدارة جمعية المسرحيين
السعوديين، يمكن أن يكون بادرة من بوادر المشاركة الفعلية
للمرأة في العمل المسرحي.
ويؤكد أن الملتقيات الأهلية «تتنفس بكل حرية بعيداً عن إجراءات
التنسيق الرسمية المحيطة بالأطر والحدود الإدارية الطويلة»،
وهذا ما يجعل «المرأة السعودية بذاتها وكيانها تستطيع أن تشارك
في تقديم الحلول للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية، من خلال
مشاركتها في المسرحيات الهادفة من خلال هذه الملتقيات»، وتطلع
إلى «مشاركة المرأة في المستقبل القريب، لتساندنا في توصيل
الرسالة المسرحية بالشكل الصحيح والجميل».
صورة إيجابيه.. بشروط
\ويؤكد المخرج الممثل سلطان النوة على المعنى نفسه، فالمرأة
السعودية كما يقول «تشارك الرجل بمجموعة من القرارات، ولم تعد
مشاركتها هامشية وصورية»، ويدلل على ذلك بـ «نتائج انتخابات
جمعية المسرحيين السعوديين التي أثبتت وعي المسرحيين بأهمية
وجود المرأة السعودية، الذي يجب أن يتعدى مرحلة الكتابة
والتحليل للمسرح فقط، ما دعاهم لانتخاب الدكتورة تونسي لعضوية
المجلس».
ورحب بوجود المرأة على الخشبة كما هي موجودة إدارياً في المسرح
«شرط محافظتها على هويتها المسلمة، وألا تخرج من إطارها في أي
حال من الأحوال».
على رغم ما يثيره عرض مسرحية «حكايات مشفرة» في البحرين من
دهشة، إلا أن النوة وجد في مشاركة المرأة أمراً إيجابياً، وأن
الوجود خارج النطاق الرسمي «يعكس مدى الرغبة الجامحة في إيصال
الصوت والمجازفة من أجله».
لكنه من جهة ضد مشاركة المرأة في عرض مسرحي، يقام ضمن ملتقى
خارج نطاق الرقابة، فالمرأة تمكنت من الحضور في المشهد الثقافي
وعكست صورة إيجابية عنها في الخارج من خلال «الأيام الثقافية
السعودية، إذ كانت المرأة السعودية موجودة بصخب ومحل اهتمام
واسع، وقدمت كل ما لديها من فكر وثقافة، فشاركت بفعالية وحققت
بالتالي الهدف من تلك المشاركة، وكل ذلك في نطاق الرسمية»،
والسؤال الذي طرحه ووجده ملحاً: «هل وجود المرأة في عرض مسرحي
كممثلة أصبح من الواجب والضروري في الوقت الحاضر لا يفترض
وجودها لقصد الوجود فقط وأخذ الأسبقية في ذلك؟
تجاوز المألوف الاجتماعي
ولا تعتقد الشاعرة المتخصصة في المسرح حليمة مظفر أن المسرحية
يمكن أن تكون إعلاناً عن تجاوز المألوف الاجتماعي، ويمكن أن
يدخل المرأة إلى المسرح عن قريب، إذ لا تعدو كونها «من باب
تحسين صورة الثقافة السعودية خارجياً، لكن المسرح ما يزال
وجوده يثير الخجل في داخل حدود المملكة، إن المشكلة الحقيقية
التي نعاني منها هي الازدواجية التي أصابتنا وجعلتنا نبدو
مختلفين في الداخل عن ما هو في الخارج، وبالتالي فإن وقوف
الأخوات السعوديات بجانب زملائهن الممثلين على منصة المسرح أمر
طبيعي في الخارج، وليس دليلاً على تجاوز المألوف واقتراب دخول
المرأة، ببساطة. دع المسرح أولاً يدخل ضمن ثقافة الشارع
السعودي اليومية والمدرسية، كي تتمكن بعد ذلك المرأة من الوقوف
على المنصة والتمثيل جنباً إلى جنب مع زملائها».
وقد تكون الملتقيات الأهلية الخارجة عن إطار الرسمية بحسب ما
ترى مظفر «داعماً قوياً لإدخال هذه المفاهيم الثقافية الجديدة
القديمة في وعي المجتمع السعودي، ومن دون شك ففي مثل هذه
الملتقيات دافع قوي لها»، وتؤكد أنه «لحسم مثل هذه المواقف
الثقافية من توجّس المجتمع وتخوفه للتسريع في تجديد خطابه
الثقافي الاجتماعي، فإنه يحتاج بشكل مباشر إلى دعم القرار
السياسي في المجتمع السعودي، الذي بدوره يعتمد على تفعيل تجديد
الخطاب الديني بما يتناسب مع واقعية العصر وعولمة الثقافة».
وفي إجابتها عن سؤال عن مدى قدرة المرأة على تحقيق ذاتها بهذه
التجارب المسرحية، ردت بأن موقف المرأة «لا يختلف عن موقف
زميلها الرجل على منصة المسرح، فالمسرح - في رأيي- موهبة تحتاج
دراسة وصقلاً، وهو ما يحتاجه زميلها أيضاً»، فالموهبة هي
المحرك للأداء المسرحي في المملكة. المسرح «يحتاج لأن يصبح
جزءاً لا يتجزأ من المنهج المدرسي لطلاب المدارس وثقافة
المجتمع اليومية، ويصبح فعلاً اجتماعياً منظماً يكون له جمهور
من الرجال والنساء صغاراً وكباراً، وليس مجرد أداة استهلاكية
تجارية، فهو مساحة للتنوير وطرح المشاريع الفكرية التي غيرت
أوروبا- مثلاً- وأوصلتها إلى ما هي عليه الآن».
عقبه.. أمام الكاتب
يقول الكاتب والمسرحي عباس الحايك: «لا يمكن تجاوز المألوف من
دون الدخول في مغامرة كحكايات مشفرة، فالمسرحيون بحاجة إلى مثل
هذه البوادر لتغيير هذه النظرة القاصرة، وبخاصة مسألة وجود
المرأة التي باتت عقبة أمام كاتب النص وحتى المخرج مروراً
بالممثل، والمسرح بطبيعته مرآة للواقع، والواقع ما هو إلا رجل
وامرأة، ولا يمكن أن يعكس ما دام أحد طرفي هذه الثنائية
غائباً». مستدركاً: «إن الملتقيات الأهلية خارج نطاق الرسمية
تكون بعيدة عن مقص الرقيب وسلطة المجتمع وتجربة مسرحية «حكايات
مشفرة» دليل على قدرة هذه الملتقيات على أن تكون طريقاً آمناً
للمرأة لتوجد على خشبة المسرح» وقال: «لن تحقق المرأة ذاتها
إلا إذا كانت هذه المسرحيات تحترم وجودها، وتعتبرها عنصراً
أساسياً في النص وليس مكملاً، كما سيكون باستطاعتها التعبير عن
قضاياها وعن ذاتها من خلال هذه المسرحيات».
رسائل تطمينية
وممن شاهدوا المسرحية الممثل المخرج المسرحي البحريني خالد
الرويعي، الذي دعا المسرحيين إلى أن «يبعثوا برسائل فنية
تطمينية في أول الأمر، وهذا ربما سيحتاج إلى وقت، ولكن البادرة
في حد ذاتها طيبة وتبشّر بنتائج أفضل، إذ إن المجتمع بحاجة لكي
يطمئن ويعي أهمية دور المسرح في التنمية الاجتماعية بعيداً عن
أوكار اللهو، كما يصفه البعض»، هذا مع إدراكه مسبقاً بأن
«الدرب شاق وصعب، فنحن نتكلم عن امرأة فوق خشبة المسرح، وهذا
الموضوع بالنسبة إلى العامة أمر غير مقبول نهائياً، لذا فإن
المرأة مطالبة بإثبات عكس ذلك، إنها تتحمل عبئاً كبيراً، ولكن
مع إصرارها وإصرار المسرحيين الذين يؤمنون بأهمية المسرح في
علاج المجتمع من أمراضه سيتمكنون من خلق الكثير، ولكني أخشى
على هذا الحلم».
ويجد في مثل مهرجان «مرايا المشهد السعودي»، أحد الأساليب
المتاحة، «وهو دور كبير تقوم به مثل هذا الملتقيات، ولكن علينا
أن نعي تماماً بأن هذه الخطوة محفوفة دائماً بالمخاطر، وعلينا
استباق الأحداث دائماً لما يمكن أن يحدث، وهذا هو الدور
الحقيقي للفعاليات الأهلية، همها الرئيسي محاورة الواقع بشتى
الأشكال المتاحة، وهذا بالتأكيد يمثل حواراً خلاقاً بين
السلطات الرسمية والأهلية»، مع هذا فإنها «لا تستطيع التغيير
في أيام قليلة، إنها تجربة حياة، وهذه التجربة باستطاعة الجميع
أن ينقلوها إلى الأجيال القادمة».
ولأن «مجتمعاتنا العربية بشكل عام، وليس السعودي فقط، تعاني من
انفصام حاد، وهذا ينعكس على الأفراد، كلنا نعيش حالة من
الانفصام، وكلنا نعيش بوجوه مختلفة، لهذا لا أعتقد أن من
الإنصاف أن نطالب المرأة السعودية بأي شيء، فيكفيها أن تجتهد».
مؤكداً «أن عدداً من النساء السعوديات لديه من الطموح ما يفوق
كتابتنا هذه، فالمرأة السعودية مختلفة تماماً عن بقية النساء
في الوطن العربي، أقول الوطن العربي حتى لا أقول الخليج، إذ إن
هناك أشكالاً مختلفة لوضع المرأة وإن تغيرت الألوان، فنسب
التحرر بمعناها المطلق ستسقط إذا تمت مقارنتها بالتحرر الجزئي،
فهناك مجتمعات تصف نفسها بالليبرالية إن صح التعبير، وتجدها
أشد راديكالية».
ويعتقد الرويعي «أن المسألة بحاجة إلى الكثير من الاستفاضة،
لأننا نتحدث عن أوضاع هلامية، ولهذا فسيكون من الصعب أن نطالب
المرأة بشكل عام، فما بالك بالمرأة» السعودية، فالمسألة لا تقف
فقط عند حدود الرقابة، هناك إرث اجتماعي متجذّر في الذهنية
العربية عندما نتكلم عن المرأة وتحقيق الذات، ولمجرد التفكير
في المسألة ستكتشف أننا أمام قضايا مرعبة تعيشها المرأة
ونعيشها جميعاً».
|