المهرجان في عيون الصحافة


 

السبت 14  ربيع الأول 1429هـ - 22 مارس 2008م

عرض «ربما يأتي الربيع» يناقش قضية المثقف ومأزقه الوجودي


عباس الحايك، هاني حجي - الرياض

جاء رابع عروض المهرجان من فرع جمعية الثقافة والفنون بجدة، وعنوانه (ربما.. يأتي الربيع) من تأليف الدكتور حبيب غلوم وإعداد هائل عقيل، وأخرج العرض خلدون كريم، والممثلون هم : أحمد الصمّان، ياسين أبو الجدايل، وهائل عقيل.
وتدور أحداث المسرحية حول مثقف يحال إلى التقاعد، مما يحيله إلى قبو مظلم، يعيش وحده وسط كتبه، يكتب لأجل المال ليعيش.
بدأت رهانات المخرج من النص الذي يبدو مغرياً للتنفيذ لاحتكامه إلى لغة رفيعة واحتكامه إلى فكرة المثقف ومأزقه الوجودي، المثقف الذي يحال إلى الهامش، ويكون ضحية الزمن والظروف، مأزق يراد به إثارة المشاعر للتعاطف مع هذه الضحية التي بدت لنا مرتهنة في وجودها إلى نضالها ودفاعها عن قضايا الناس وهمومهم، إلا أن النص يبدو وبالرغم من إلتزامه النسبي بتقاليد الكتابة المسرحية من حبكة وصراع وتصاعد درامي، أنه قد انحاز إلى إغراء اللغة وانشغل بنسج بيانات وعبارات فاقعة نالت من إيقاع العرض، وحركة الممثل في بناء اللحظة الدرامية، فحوار النص كان أقرب إلى شكل المونولوج الداخلي الذي تتوزعه ثلاث شخصيات تتشابه في إيقاعها ونبرتها، ما يحيلنا إلى الاعتقاد بأن شخوص العرض لم تكن سوى تجلياً لصوت المؤلف وموقفه الذي لم يتح للنص فاعليته الحوارية.
وهكذا تشابهت البنية الدرامية للشخوص فضاعت ملامحها وتشابكت، مما جعل من الأداء المسرحي عرضة للرتابة، وفقد القدرة على التوصيل، هذا التشابه استتبعته اللغة الفخمة التي انحازت للنص ولم تنحز للممثل. ومع أن ممثلي العرض كانوا يملكون أدوات الممثل الجيد ومتمكنين من ضبط هذه الأدوات، لكن جفاف اللغة وثقلها انتزع هذه الأدوات، وحد من مرونة الممثل ومن تعابيره الجسدية. الممثلون كان يمكن أن يتجاوزوا ثقل اللغة لو اشتغل المخرج على التعبير الجسدي للممثل منذ المشهد الاستهلالي الذي استخدم فيه المخرج تقنية خيال الظل.
الديكور المسرحي أنجز ليولد شاعرية للعرض، فاشتغل المخرج على القتامة التي توحي بالعزلة التي يعيشها هذا المثقف، جدران سوداء تغيب ملامحها، توزيع مدروس للكتل على الخشبة، من الأرفف التي تحتضن الكتب بعناية وترتيب، إلى فوضى الأوراق التي توزعت على الأرض، الكرسي الهزاز في مقابل الطاولة، وهذا ما أعطى للعرض في جانبه البصري بعضاً من الراحة، لم يكن الديكور فوضى ولم تكن كتله طارئة، وكان عاكساً لدواخل المثقف، تنازعه بين الصفاء والسكينة من جهة والفوضى من جهة أخرى. الإضاءة التي كانت من ضمن رهانات المخرج لم تكن على إتساق مع عناصر العرض، فبقع الضوء التي كان يراد لها أن يكون لها دلالاتها إضافة لكونها جزءًا من الخطاب البصري الذي صممه المخرج، كان فيها بعض الارتباك، وفاقدة للدلالة أحياناً، فالإضاءة الزرقاء التي قد تكون دلالة على (الربيع الذي ربما يأتي) خانت إنفعالات الممثل/المثقف، فغابت ملامحه وإنفعالاته وسط هذا الأزرق، كما أن البقع لم تكن منسجمة من جهة التوقيت مع حركة الممثل، وكانت هذه الحركة بحاجة إلى دراسة أكثر في ضبط علاقته مع الإضاءة. البعد المسموع في سينوغرافيا العرض كانت الموسيقى، وكانت وظيفتها تصويرية ودرامية، وكانت متسقة مع الحدث وتصاعده، تتصاعد وفق تصاعد الحدث ودراميته، واستطاعت أن تفرض نوعاً مع الحميمية مع العرض وتفرض نوعاً من المتعة.
الرهان الأهم في هذا العرض كان على الإخراج، وكان خلدون كريم قادراً على كسب رهانه، فالعرض يفرض الاعتراف بمخرج واع ويدرك تماماً وظيفة كل عنصر من عناصر المسرحية، يدرك تماماً توزيع الممثل على الميزانسين، ويدرك الأبعاد البصرية، ووظيفة الموسيقى والإضاءة، فهذا العرض عرض مخرج رغم سطوة النص عليه، لكن وإن حاول المخرج انتزاع حقه في سيادة العرض، وقد نجح في مناطق إلا أنه أخفق في أخرى، وأكثر إخفاقاته اللافتة تعدد نهاية عرضه، لتكون ثلاث نهايات بشكل غير مبرر.
العرض بمجمله كان يعكس إمكانات الفرقة بممثليها ومخرجها وفنييها، يعكس خبرة سنوات مكتسبة، ومع كل الملاحظات حول هذا العرض يظل يحمل ملامح جمالية لا يمكن إغفالها، عرض أحالنا كمتلقين لبعض من المتعة.


 

القائمة الرئيسية

 

الإحصائيات