المهرجان في عيون الصحافة


 

الأثنين 16 ربيع الأول 1429هـ - 24 مارس 2008 م

مسرحية «رحلة بحث» تحمل النص ما لا يحتمل
 

عباس الحايك، هاني حجي-الرياض
تتواصل عروض المهرجان وقد تجاوز انتصافه، وكان الدور ليلة أمس على فرع جمعية الثقافة والفنون بالدمام بعرض (ليلة بحث) تأليف فهد ردة الحارثي وإخراج عبد الله الجفال، وأداء الممثلين، ناصر الظافر، سعود الصفيان، حسن العبد العلي، و عصام البريمان.
الدخول إلى قراءة هذا العرض لا تبدأ إلا بأميز عنصر فيه، الممثل أو مجموعة الأداء، الذين قدموا التماعات أدائية، ولجوا إلى التفسيرات الجسدية للنص، وقد أزاحوا المنطوق المقتصد فيه، هذا الولوج إلى هذا الهامش الفسيح من الحرية، حرية الممثل في أن يعطي وأن يشتعل ويستحيل شمعة، الممثل الذي امتلك مفردات الجمال، لينطلق في رحلة بحث عن ذاته من خلال جسد رخو، يمتد ويتمدد ويتجاوز الأداء العادي. في هذا العرض كان للممثل حضور وتوهج، فهو يمتلك جسداً مسرحياً، جعل من المخرج يكتشف هذه المزايا ليشكل لنا هذا عبر لوحة من لوحات التعبير الجسدي، و يمتحن فيه ممثليه ويضعهم على حافة الدهشة، الجمال في هذا العرض يكمن في الأداء، والأداء كان لغة الاختلاف، مجموعة الأداء كانت منسجمة وإن كان عصام البريمان وحسن العبد العلي أتيحت لهما الفسحة الأكبر ليمارسا لعبة الأداء، ولينجحا في امتحان الجسد، وهذا لا ينفي إمكانات الظافر والصفيان، ولكنهم كانوا مرهونين بالسكون.
نص الحارثي لم يكن حاضراً في هذا العرض، بعد أن استنفذه المخرج ومارس عليه سلطته، سلطة الهدم والبناء، لكنه أحاله إلى نص مبتور، نص غيب عنه سؤاله الوجودي و فلسفيته، النص لم يطلع تفوق على العرض، خاصة وأن نصوص الحارثي تقدم اقتراحات إخراجية لا تنفصل عن رؤيته ككاتب، فهو يقترح على مخرج عرض نصه « هذا النوع من المسرح هو مسرح شكل وهو بالتالي حريص على تأسيس شكل من أشكال الكتابة المسرحية بحيث يعادل مستوى الكتابة للنص المقروء نص أخر يهتم بالمشهدية البصرية وآثارها على المتلقى وذلك ما يجب أن يهتم به المخرج وطاقم العمل»، من هنا يبدأ الافتراق بين العرض والمقترح الإخراجي، ومن هنا نجزم بغياب النص عن عرض جمعية الدمام. والمشكلة في نص العرض أنه حمّل النص الأصلي ما لا يحتمله من تبعات، فقد أوِّل النص ليبدو لنا في النهاية عرضاً سياسياً، خاصة مع تأرجحه بين الرمزية و المباشرة، تأويل مفضوح لتلك الرموز التي لم يحافظ المخرج على ثباتها ورمزيتها.
لأن المخرج هو سيد العمل فإنه يمكن القول بانه سيد الإخفاق في العرض، وهذا لا ينفي أن الجفال مخرج متمكن وحريص على عمله، ويعي مفرداته، ولكنه هنا انجر وراء المقولة السياسية ليضع العرض بمجمله في هذا المحك، حتى في رؤيته الإخراجية وتأويله البصري للعرض، قد يكون نجح في إدارة الممثلين لكنه أخفق في إدارة البعد السينوغرافي وتكويناته، فالديكور بدا مباشراً في تصميم نصف الدائرة في دلالتها على نصف الكرة الأرضية، وفي الحروف والأرقام والمعادلات الرياضية المرسومة بشكل عشوائي والتي قصر عنها الذوق التشكيلي، وحتى في الإضاءة التي وقعت في مشكلة التصميم واكتملت في التنفيذ. نفهم أن الإضاءة مكون بصري مهم وظيفته التركيز البؤري على الممثل أو على حدث ما، و إلى خلق مشاعر وتفسيرها من خلال التباينات اللونية، في هذا العرض فلت الممثل من الإضاءة كما أنها فلتت منه، وبدت كأنها بقع تطفأ وتضاء دون تبرير ودون دلالة، إضافة لتوقيتها الذي لم يتسق مع الحدث، في إطفاء الشموع مثلاً، نضيف إلى مشكلة الإضاءة التباينات اللونية التي لم تصل دلالتها للمتلقين.
في هذا العرض كان هناك تأليف موسيقي كنا نرى في غيابه إشكالية خاصة مع اعتماد العروض المسرحية على الجاهز، هناك عزف عود لمحمد الحلال و مؤثرات صوتية لعبد العزيز العلي، هناك اشتغال على هذه المفردة الجمالية، خاصة وأن العود لم يكن مجرد لعزف مقطوعة موسيقية بل كان آلة لاجتراح مؤثرات صوتية مسرحية، الموسيقى تميزت بيد أنها وقعت في الرتابة في بعض المناطق. أوقع المخرج العرض في المباشرة في بعض الجمل المنطوقة أو الجمل البصرية كما أوقعه في المباشرة في الأغنية التي كانت مقحمة في سياق العرض وكانت تفضح الرمزية، فلغة الأغنية والرقصات التي صاحبتها كانت زائدة بل أضرت من قصدية الرمز في عرض (رحلة بحث).

 

 

القائمة الرئيسية

 

الإحصائيات