|

الثلاثاء
17 ربيع الأول 1429هـ - 25
مارس 2008 م
في مهرجان المسرح
السعودي الرابع
عرض «الصندوق الأسود» خزين الذكريات والتماعات الإضاءة
عباس الحايك، هاني حجي- الرياض
عرض (الصندوق الأسود) عرض آخر يمارس الإزاحة على النص المنطوق،
إزاحته والاستعاضة عنه بصورة، عرض صامت ألفه فهد الأسمر وأخرجه
بادي التميمي، ومثل شخوصه محمد حافظ، رامي خليل، حمزة زاكور،
إبراهيم محمد، يوسف برناوي، حسن والعوفي، وعرض (الصندوق الأسود)
شارك به فرع الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون
بالمدينة المنورة في فعاليات المهرجان.
في العرض ثمة حكاية، لا يسردها حوار منطوق، هناك سارد آخر
لأحداث الحكاية بعد إزاحة الحوار، هناك حركة ممثل وإضاءة
وموسيقى. العرض يفتش في خبايا الصندوق الأسود، صندوق الذاكرة
ليفرغ ما فيه، صندوق يحتوي على حكايات لبشر وجدوا أنفسهم
محاصرين، أين كانوا وكيف صاروا، كيف صاروا نهباً للوحشة
والمصير المجهول. الصندوق الأسود يخزن معلومات الطائرات ومنه
يعرف كل تفاصيل رحلة الطائرة قبل سقوطها، هنا يحال هذا الصندوق
إلى مخزن مصائر ومخزن للماضي، يكتشف فيه هذا الإنسان قبل سقوطه.
العرض اتكأ على البصري، وعلى تأثيث الصورة المسرحية لأن الحوار
غائب، ولكن السؤال: هل استطاع المخرج في هذا العرض أن ينجح في
هذه الإزاحة، في هذا الإتكاء؟، في تغييبه للملفوظ؟ الصمت قد
يكون أكثر بلاغة من الكلمة، لكن ليس كل صمت بليغ، هناك صمت
أيضاً مربك ويفقد المتلقي أعصابه أو يرخيها، في عرض (الصندوق
الأسود) كانت ثمة منطقة وسط بين هذين الخيارين، اللعب على
الصمت كان يمكن أن يكون محفزاً للدهشة، لو اكتشف بادي التميمي
بواطن البلاغة في هذا الصمت، ولكنه لم يفقدنا أعصابنا ويربكنا
أو يشعرنا بالتململ والحاجة للاسترخاء، الصمت هنا كان لغة
لكنها لغة ثرثارة، بمعنى أن المشاهد الطويلة والاسترسال كانت
تحتاج إلى لملمة وإيجاز، وإلى تكثيف المشاهد، بدأَ بأول مشاهده،
إلى آخر مشهد، هذا الاسترسال يطال العرض بالترهل، ويفقد
المتلقي إحساسه بالعرض وإحساسه بالانجذاب له.
في هذا العرض لم نكتشف ما يملكه الممثلون من إمكانات فهم
موضوعون في اختبارات الجسد، وهذا لا يعني أنهم نجحوا في هذا
الاختبار، فقد فقدوا بوصلتهم نحو الأداء الفريد، رغم أن مساحة
التعبير الحركي والتشكيلات الجسدية لابد أن تكون كافية، إلا أن
هذه التشكيلات لم تكن مصممة بالشكل الملفت، الجسد هنا موجود
لكنه جسد رتيب، جسد مقيد بهندسة الحركة، لم يملك حريته ليبدع،
كان يحتاج إلى مخرج ينفث فيه روحاً جديدة، روحاً تحلق بالأداء
نحو فضاءات المتعة. الممثلون لم يستدرجهم إغواء الصمت و
الاشتغال على الصورة، كانوا أمينين لعادية الأداء.
في المقابل كان ثمة فرجة في المستوى الثاني من العرض، مستوى
خيال الظل، الذي نفذه فهد الطوري، بندر العياضي، وإبراهيم
الرشيدي، الفرجة في مشهد الرقص، هنا تعويض عن غياب المرأة،
تعويض طفيف يمكن من خلاله الاستشعار بهذه الأنثى في عروض
ذكورية، وإن كانت هذه الأنثى راقصة، الفرجة كانت في الرقص
الشرقي المتمكن للممثل الذي أدى الدور، وكان أجمل لو نفذ مشهد
العرس بنفس التقنية، خاصة أن مشهد العرس هو استرجاع لذاكرة مثل
مشهد الرقص، خيال الظل تقنية كان يمكن استغلالها لتعميق الجانب
الجمالي في العرض، في بعده البصري الذي وظفت فيه الإضاءة
بحرفية عالية وتمكن لافت، وكان من أكثر حسنات العرض، هناك
اشتغال على عنصر الإضاءة، على صعيد توزيع البقع الضوئية و على
صعيد اللون ودلالالته، الإضاءة كانت هنا هي العنصر الجمالي
الأهم في عرض (الصندوق الأسود).
نعود إلى نفس المشكلة بالنسبة للموسيقى المصاحبة، ولا يفهم سبب
تقصير المخرجين في البحث عن صيغ موسيقية غير جاهزة أو البحث عن
جمل موسيقية فيها درامية تصلح لعرض مسرحي، الموسيقى لم تكن في
انسجام مع العرض، موسيقى فيها فوضى رغم أن التميمي اختار أو
اختير له مزيج من المقطوعات الموسيقية العربية والغربية
والتركية، مقطوعات حاضرة في أذهان الكثيرين، لكن هذه المقطوعات
لم تكن في سياق العرض، وهذه مشكلة المعلب من مقطوعات موسيقية،
إضافة إلى أن تسجيل هذه الموسيقى كان مشوشاً وغير مريح للأذن.
تبقى إشارة مهمة تجاه العرض. هذا العرض يشي بموهبة مخرج، يركن
للتجدد و تجاوز الإخفاقات، ويشي بجهد يحسب لفريق العرض وإن كان
ثمة ملاحظات.
|