|

الأربعاء
18 ربيع
الأول 1429هـ - 26 مارس 2008 م
«مـوت المؤلف» عرض راهن على
المتعة فحققه
عباس
الحايك، هاني حجي - الرياض
عرض الليلة الماضية كان للجنة الفنون المسرحية التابعة لفرع الجمعية
العربية السعودية للثقافة والفنون بالأحساء، والعرض هو (موت المؤلف)
للكاتب والشاعر سامي الجمعان، ومن إخراج زكريا المومني، وهو من تمثيل،
عبد الله المجحم، راشد الورثان، إبراهيم الحساوي، إبراهيم الخميس، ماجد
النويس، سلطان النوه، ميثم الرزق، عبد الكريم الموسى وخالد الخليفة.
العرض يستحضر شخوص مسرحيات الكاتب المسرحي الراحل سعد الله ونوس، من
حنظلة إلى أبو خليل القباني مروراً بخضور بائع الدبس والحكواتي والمنادي،
وغيرهم، يبعثون من مدينة النص ليودعوا مبدعهم ويمرون بقبره، يقبض عليهم
ويتهمون بتدبير عملية إرهابية. حكاية تجدد ذكرى ونوس الذي أمد المسرح
العربي بنصوص إبداعية أعادت تشكيل الوعي المسرحي العربي، وكان بصمة في
ذاكرة المسرح. هذا التجديد لا يعني التباكي عليه ورثاءه بل يعني تصوير
المعاناة التي عايشها سكان مدينة النص ويعاد صياغتها بقالب مختلف،
ليكونوا دلالة على معاناة المسرحيين الآن، الذين يرجمون بالاقصاء
والتهميش، وليكونوا حمّالي شعارات ونوس، ندخل عالمه من باب شخوصه.
في هذا العرض هناك ثمة نص، كتبه كاتب يملك أدوات الكتابة من لغة ووعي لما
يكتب، النص كان بذرة لعرض الليلة الماضية، نص مارس سلطته حتى على
الإخراج، فنص الجمعان يملك تميزاً، وتمكن من تحقيق ما دعا إليه في مقدمة
نصه « ومن شروط ذلك أيضا أن تحضر الدراما بتقنياتها حضورا عميقا لا حضورا
باهتا ، فيطغى جانب التوثيق أو السردية على روح الدراما ومقومات عوالمها
، وبالتالي تتحول المسألة إلى استعراض فج لمكونات التجربة ، ومراحلها ،
وأهم محطاتها حتى إنه يحيل الجانب الدرامي إلى جانب توثيقي بحت يفتقد
الصراع ، الذي هو قلب الدراما النابض كما أظن وأعتقد»، وقد تحقق للكاتب
هذا الشرط، ففي النص دراما، وليس في النص تسجيلية أو سردية، في النص
حوارات مسرحية، وتصاعد وذروة، النص لا يمكن أن يقال عنه إلا أنه مكتمل.
المخرج بدا اميناً على النص، وإن كان عدل عليه بما يناسب رؤيته، لكن هذه
الأمانة لم تضر بهذه الرؤية أو تغير من ملامح المتعة فيها، فالمخرج تمكن
من إدارة العملية المسرحية وخلق فيها كثيراً ما أمكن من الهارموني، تمكنه
من ضبط أدواته الإخراجية، من رسم حركة الممثل، وكسر الجدار الرابع بمفهوم
بريخت ومد مكان العرض إلى خارج الخشبة، قد لا يكون في العرض على المستوى
الإخراجي مقترحات متفردة، أو إختلاف، لكن هناك قدرة على تشكيل عرض مسرحي
حقق اشتراطات المتعة وهذا اسمى مطلب للمتلقي من وراء أي عرض مسرحي.
وتحقق ايضاً رهان المومني على الأداء التمثيلي، فمجموعة العمل قدموا لنا
مسرحية، نعم مسرحية بمعناها الحقيقي، ممثلون يملكون رصيداً من التجارب،
يفقهون أبجديات المسرح، و يدركون كيف يستمتعون بأدائهم ويصيبوننا بعدوى
المتعة، ممثلون لا يجدون في هذه الخشبة رهبة البداية أو إرتباك غير
الواثق، فهم واثقون مما يفعلون، مزيج من خامات أدائية فريدة، فراشد
الورثان يثبت في هذا العرض أنه ابن مسرح، وللمسرح قدرة على تفجير هذا
المارد الكامن داخله، مارد الأداء المتميز، على ذات المستوى نرى إبراهيم
الحساوي في وفائه للخشبة، وتوثبه، ممسوس هو بحب هذا المسرح، لا يستطيع
مواراة هذا المس، فيحلق في فضاء الأداء عالياً، ويأتي المحقق (ماجد
النويس)، والممثل (سلطان النوة)، والحكواتي (عبد الله المجحم) والآخرون،
هم الرهان الذي لا يخسر.
إظلام العرض لم يكن له مبرر، كان يمكن أن يمتعنا هذا العرض أكثر لو لم
يقع في ارتباكات الإضاءة، وهذا لا يمنع أن الإضاءة وظفت بشكل لافت
للتدليل على السجن والقضبان، هنا يمكن للإضاءة أن يكون لها وظيفتها
الدرامية، و هذا يتوازى مع توظيفات الفانوس، الذي كان إشارة للأمل في
نهاية العرض. انتهى العرض بعبارة (إننا محكمون بالأمل) ولنا أن نردد خلف
ممثليه ذات العبارة، فهذا العرض جعلنا محكومون بالأمل بأن ثمة مسرحا
سعوديا مختلفا يمكنه أن ينمو على الخشبة.
|